الشوكاني
50
فتح القدير
لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرا وباطنا أو ظاهر فقط . فيدخل المسلم والمنافق ، ويؤيد هذا قوله ( فترى الذين في قلوبهم مرض ) والاعتبار بعموم اللفظ ، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية ما يتضح به المراد . والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادفة والمعاشرة والمناصرة . وقوله ( بعضهم أولياء بعض ) تعليل للنهي ، والمعنى : أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم ، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم ، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى ، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق - وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ - وقيل المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين . ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم ، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم ، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلة بما هو كالنتيجة لها فقال ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) أي فإنه من جملتهم وفى عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية . وقوله ( إن الله لا يهدى القوم الظالمين ) تعليل للجملة التي قبلها : أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين . قوله ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ) الفاء للسببية ، والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له : أي ما ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه من الكفر هو بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق . وقوله ( يسارعون ) في محل نصب إما على أنه المفعول الثاني إذا كانت الرؤية قلبية أو على أنه حال إذا كانت بصرية ، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغوبهم في ذلك حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون في عدادهم . وقد قرئ فيرى بالتحتية . واختلف في فاعله ما هو ؟ فقيل هو الله عز وجل ، وقيل هو كل ما تصح منه الرؤيا ، وقيل هو الموصول ومفعوله ( يسارعون فيهم ) على حذف أن المصدرية : أي فيرى القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم ، فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله : * ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغا * والمرض في القلوب : هو النفاق والشك في الدين . وقوله ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) جملة مشتملة على تعليل المسارعة في الموالاة : أي أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة ، وقيل إن الجملة حال من ضمير يسارعون . والدائرة : ما تدور من مكاره الدهر : أي نخشى أن تظفر الكفار بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فتكون الدولة لهم وتبطل دولته فيصيبنا منهم مكروه ، ومنه قول الشاعر : يرد عنك القدر المقدورا * ودائرات الدهر أن تدورا أي دولات الدهر الدائرة من قوم إلى قوم . وقوله ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) رد عليهم ودفع لما وقع لهم من الخشية ، وعسى في كلام الله وعد صادق لا يتخلف . والفتح : ظهور النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الكافرين ، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة ، وسبي ذراريهم ، وإجلاء بني النضير ، وقيل هو فتح بلاد المشركين على المسلمين ، وقيل فتح مكة . والمراد بالأمر من عنده سبحانه هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم ، وقيل هو إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أسروا في أنفسهم وأمره بقتلهم ، وقيل هو الجزية التي جعلها الله عليهم ، وقيل الخصب والسعة للمسلمين فيصبح المنافقون ( على ما أسروا في أنفسهم ) من النفاق الحامل لهم على الموالاة ( نادمين ) على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها